دكتور عبد العزيز الدوري

39

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

النزاع كان أساس أيام العرب في العصر الجاهلي . وتتطلب هذه الطبيعة القاسية التمرين المستمر على القتال . أمّا المهن فهي موضع احتقار ، لذا تركت للضعفاء . وأصبح تعدد الزوجات ضرورة اجتماعية وعسكرية لتكوين العصبة والقوة . وما دامت القبيلة هي الكائن الاجتماعي الطبيعي في هذه البيئة أصبح الولاء لها ضرورة لازمة للدفاع عن النفس وللحماية ، وأصبحت التقاليد والعرف الناتج عن التجارب هي القانون السائد المحترم . ولم يبق مجال للوراثة في الحكم لأنّ القوّة والعصبة لازمتان للشيخ ، ولأنه لا يمكن الاعتماد على المصادفة التي تصحب الوراثة ، لصعوبة الحياة . وأصبح الوفاء خلقا تتطلبه هذه الحياة . ولا تنشأ الكتابة في البيئة الصحراوية لأنها فنّ حضري . ولذا لم ينشأ الخط في وسط الجزيرة بل نشأ في أطرافها ، فالخط المسند ظهر في الجنوب ، والخط النبطي الذي هو أصل للخط العربي ظهر في الشمال وتطور بشكل آخر في جهة الحيرة . ولكن ملكة الحفظ والكلام ونظم الشعر وإلقاء الخطب تزدهر في مثل البيئة الصحراوية وتتطلبها حياتها القلقة وظروفها الصعبة . وللطبيعة العارية والغزوات المستمرة أثر في إرهاف الحس وشبوب العواطف . كما أنّ صفة التكرار وقلّة التبدل في البيئة الصحراوية تؤدي إلى استمرار التقاليد وثبوت العادات وإلى المحافظة الاجتماعية عامة . ولكن التنقل المستمر والتماسك القبلي لا يساعدان على تكوين لغة موحدة بل يؤديان إلى تكوين لهجات كثيرة يتطلب التقريب بينها وقتا طويلا ويحتاج إلى ظروف مناسبة لتظهر لهجة موحدة تصبح اللغة العامة . ثم إنّ إحاطة الجزيرة بالمياه من ثلاث جهات ووجود صحراء في الشمال والوسط أديا إلى المحافظة البشرية أو نقاء الشعب وقلّة التمازج البشري ، ولذا كان العرب من أنقى الشعوب العروبية ( السامية ) . ويجب ألا ننسى أنّ قسوة طبيعة الجزيرة لم تشجع على الهجرة إليها ، إضافة إلى أنها بشدتها تعرقل تغلغل العناصر الأجنبية فيها . وبذلك أصبح وسط الجزيرة مخزن الاحتياط العربي البشري . أمّا الدول التي تكونت في الأطراف ، فإنّ عامتها تجارية لوقوعها على طرق التجارة كالدول المعينية والسبئية والحميرية في اليمن التي تقع على طريق الهند البحري المشهور . وبعضها على طرق التجارة البرية كما في الغرب والشمال . ففي الشمال ظهرت دولة اللحيانيين ( 500 - 300 ق . م ) ثم دولة الأنباط ( القرن الثاني ق م - القرن الأول الميلادي ) على الطريق الغربي في الجزيرة بين اليمن والشام ، وهو امتداد النهاية الجنوبية لطريق الهند ، ثم تدمر ( التي بلغت أوجها في القرن الثالث الميلادي ) على الطريق من العراق إلى الشام ، وهو امتداد الفرع الشمالي لطريق الهند